ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )

146

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )

يقول دله بكلامه دلالة . ودل الكلام على هذا دلالة ، فالمتكلم دال بكلامه ؛ وكلامه دال بنظامه ، وذلك يعرف من عادة المتكلم في ألفاظه . فإذا كانت عادته أنه يعني بهذا اللفظ هذا المعنى ، علمنا متى خاطبنا به أنه أراده من وجهين : أحدهما أن دلالة اللفظ مبناها على عادة المتكلم التي يقصدها بألفاظه ، وكذا على مراده بلغته التي عادته أن يتكلم بها . فإذا عرف السامع ذلك المعنى وعرف أن عادة المتكلم إذا تكلم بذلك اللفظ أن يقصده ، علم أنه مراده قطعا ، وإلا لم يعلم مراد متكلم أبدا ، وهو محال . الثاني : أن المتكلم إذا كان قصده إفهام المخاطبين كلامه وعلم المخاطب السامع من طريقته وصفته أن ذلك قصده ، لا أن قصده التلبيس ، أفاده مجموع العلمين اليقين بمراده ؛ ولم يشك فيه ، ولو تخلف عنه العلم لكان ذلك قادحا في أحد العلمين ؛ إما قادحا في علمه في موضع ذلك اللفظ . وإما في علمه بعبارة المتكلم به وصفاته وقصده ، فمتى عرف موضوعه وعرف عادة المتكلم به أفاده ذلك القطع ، يوضحه : التاسع والأربعون : إن السامع متى سمع المتكلم يقول لبست ثوبا ، وركبت فرسا ، وأكلت لحما ، وهو عالم بمدلول هذه الألفاظ من عرف المتكلم ، وعالم أن المتكلم لا يقصد بقوله لبست ثوبا معنى ذبحت شاة ، ولا من قوله ركبت فرسا معني لبست ثوبا ، علم مراده قطعا ؛ فإنه يعلم أن قصد خلاف ذلك عد ملبسا مدلسا لا مبينا مفهما . وهذا مستحيل على اللّه ورسوله أعظم استحالة وإن جاز على أهل التخاطب فيما بينهم . فإذا إفادة كلام اللّه ورسوله اليقين فوق استفاده ذلك من كلام كل متكلم . وهذا أدل على كلام اللّه ورسوله من دلالة كلام غيره على مراده ، وكلما كان السامع أعرف بالمتكلم وقصده وبيانه وعادته ؛ كانت استفادته للعلم بمراده أكمل وأتم . الخمسون : أن قوله : إن فهم الدلالة اللفظية موقوف على نقل النحو والتصريف » جوابه : أن القرآن قد نقل إعرابه كما نقلت ألفاظه ومعانيه ، ولا فرق في ذلك كله . فألفاظه متوافرة وإعرابه متواتر ؛ ونقل معانيه أظهر من نقل ألفاظه وإعرابه كما تقدم بيانه . ونقل جميع ذلك بالتواتر أصح من نقل كل لغة